لم يُخطئ بتسلئيل سموتريتش في التعبير؛ لقد كشف الحقيقة التي جرى إخفاؤها وإدارتها بعناية لسنوات.
خلال افتتاح مستوطنة جديدة، صرّح وزير المالية الإسرائيلي قائلاً: «نتحدث دائماً عن الجزء العسكري، ثم الجزء السياسي… وهناك من ينتقدنا قائلاً إن هناك إنجازات عسكرية فقط دون مكوّن سياسي». ثم أوضح المعنى بشكل لا لبس فيه، حين ربط هذا «المكوّن السياسي» بساحات القتال، وبالتوسع نحو غزة ولبنان وسوريا.
اقرأ ايضا: وثيقة إسرائيلية: حماس تستعيد قوتها العسكرية وتستعد لجولة قتال جديدة
هذا ليس خطاباً عابراً، وليس مجرد استفزاز؛ إنه إعلان نية.
لسنوات، جرى تصوير العمليات العسكرية الإسرائيلية على أنها ردود فعل ضرورية ومحدودة ومؤقتة على تهديدات أمنية. هذه الرواية تنهار بالكامل عندما يُقدَّم العمل العسكري بوصفه مقدمة لتحوّل سياسي. وعندما تتحول «الإنجازات العسكرية» إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع، فإن الحرب لم تعد ردّ فعل، بل أصبحت أداة.
لم يقدّم سموتريتش فكرة جديدة، بل أزال القناع عن فكرة قائمة.
ما يلفت النظر ليس فقط إدراج غزة وجنوب لبنان وأجزاء من سوريا ضمن رؤية استراتيجية واحدة، بل التعامل معها وكأنها فضاء واحد قابل لإعادة التشكيل. سيادات مختلفة، وأطر قانونية متباينة، وصراعات منفصلة، تُختزل في ساحة واحدة، حيث لا يُنظر إلى عدم الاستقرار بوصفه مشكلة يجب احتواؤها، بل كفرصة يجب استغلالها.
هنا تنكشف منطقية التوسع بعد تجريدها من لغتها الدبلوماسية. لم تعد الحرب انقطاعاً عن النظام، بل أصبحت الوسيلة التي يُفرض بها نظام جديد.
المفردات القديمة، مثل «مناطق أمنية» أو «مناطق عازلة» أو «سيطرة مؤقتة»، تبدو اليوم شبه ساذجة. ما يجري التعبير عنه الآن أكثر وضوحاً: انتقال تدريجي من الاحتلال المؤقت إلى الديمومة، ومن الظرفية إلى التخطيط. هذا التحول لم يحدث بالصدفة، بل دُفِع به عمداً.
وهنا يحدث الاصطدام المباشر مع أسس القانون الدولي. فحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة لم يكن تفصيلاً تقنياً في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بل كان حجر الزاوية فيه. إن الحديث عن التوسع في ظل الحرب لا يمثل مجرد خرق لهذا المبدأ، بل تقويضاً له.
غير أن الأهمية لا تقتصر على البعد القانوني، بل تمتد إلى التداعيات الاستراتيجية.
في لبنان، تعزز هذه التصريحات القناعة بأن أهداف إسرائيل تتجاوز مسألة تحييد الجماعات المسلحة، مما يبرر استمرار المقاومة. وفي سوريا، ترسل إشارة بأن العمليات الإسرائيلية ليست محدودة، ما يفتح الباب أمام تصعيد أوسع. وفي غزة، تُرسِّخ الاعتقاد بأن الحرب ليست أمنية فحسب، بل تهدف إلى إعادة تشكيل الأرض والسكان بشكل دائم.
هكذا يستمر التصعيد، ليس بسبب سوء الفهم، بل بسبب وضوح النوايا.
الأخطر من ذلك هو أثر هذا الخطاب على مصداقية الدبلوماسية؛ فكل منظومة وقف إطلاق النار والمفاوضات تقوم على فرضية أن الحرب يمكن احتواؤها وإنهاؤها. لكن عندما تُستخدم الحرب كوسيلة للتوسع، فإن التفاوض يتحول إلى أداة لإدارة الوقت.
وقف إطلاق النار، في هذا السياق، ليس تمهيداً للسلام، بل استراحة لإعادة التموضع.
ما كشفه سموتريتش لا يقتصر على موقف سياسي، بل يعبّر عن مسار أوسع. نحن أمام تحول تدريجي في طبيعة الحرب نفسها، من أداة سياسية إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع. القواعد لم تُلغَ رسمياً، لكنها تُفرَّغ من مضمونها عملياً.
وحين يصبح ذلك طبيعياً، فإنه لا يبقى محصوراً في حالة واحدة، بل ينتشر.
تصبح الحروب وسيلة لإعادة رسم الخرائط، لا استثناءً. ويتحول ميزان القوة من الخضوع للقانون إلى إعادة صياغته. ويختفي الفرق بين ما هو مشروع وما هو ممكن.
هذا هو العالم الذي تشير إليه كلمات سموتريتش، ليس كتحذير، بل كبرنامج.
عالم تصبح فيه الحدود نتيجة، لا قيداً،
وتصبح فيه الحروب، حين تبدأ، غير قابلة للانتهاء.